
طهران | لا يبدو التصعيد الأميركي ضدّ إيران معزولاً عن محاولات خنق الصين اقتصادياً، وتطويق روسيا جغرافياً. وفي وقت يتمسّك فيه صنّاع السياسة الأميركيون بالرؤية القائلة إن الصين تشكّل الخطر الاستراتيجي «الأكبر» على مصلحة بلادهم، ويدركون، في الوقت عينه، أن الدخول في مواجهة عسكرية معها، قد تترتّب عليه تكاليف باهظة، بل كارثية، في ظلّ امتلاك الطرفين قدرات نووية هائلة، يبدو أن المقاربة الأميركية باتت تجنح نحو محاولة التحكّم بـ«شرايين» حياة بكين الاقتصادية، وتحديداً النفط.
ذلك أن الصين تعاني معضلة استراتيجية واضحة، تتمثّل في كونها قوة صناعية عظمى، من دون موارد نفطية، ما يجعلها تعتمد بشكل أساسي على واردات من دول مثل السعودية وإيران وروسيا وفنزويلا. وفي ظلّ تحكّم الولايات المتحدة بجزء كبير من النفط العربي، وإعلانها، أخيراً، النجاح في «السيطرة» على النفط الفنزويلي، فهي تسعى اليوم لاستكمال استراتيجيتها تلك، من خلال السيطرة على حركة النفط الإيراني، بمّا يمهّد الطريق أمام التحكّم بالواردات التي تغذّي الصين.
وفي حال تحقّق السيناريو المُشار إليه، فقد تجد بكين نفسها أمام خيارين صعبين؛ إمّا خوض حرب عسكرية كبرى مع واشنطن للحفاظ على نفوذها الاقتصادي العالمي - وهو الخيار الأقلّ ترجيحاً نظراً إلى كلفته الباهظة -، أو الحصول على النفط وفق شروط وأسعار تتحكّم بها الولايات المتحدة، ما يعني تآكل الاقتصاد الصيني تدريجياً، وربما انهياره على المدى المتوسط.
وفي مؤشّر واضح إلى أن إدارة دونالد ترامب تضع نصب عينيها تطويق الصين، نقلت وكالة «رويترز»، في الـ22 من الجاري، عن مسؤول أميركي قوله إن الرئيس يسمح ببيع النفط الفنزويلي إلى بكين، ولكن ليس بالأسعار «المنخفضة» التي كانت حدّدتها حكومة الرئيس نيكولاس مادورو؛ وهو ما يعني، عملياً، رفع كلفة الإنتاج في الداخل، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع، ثمّ تراجع القدرة التنافسية عالمياً.
وفي أعقاب إصدار ترامب أمراً تنفيذياً أعلن بموجبه «حالة طوارئ وطنية»، بسبب ما وصفه بـ«التهديد الاستثنائي وغير العادي» الذي تمثّله كوبا للأمن القومي الأميركي، وإعلانه، أيضاً، نيته فرض رسوم جمركية إضافية على السلع المستوردة من أي دولة تزوِّد كوبا بالنفط بشكل مباشر أو غير مباشر، يصبح من غير المستغرب أن تستهدف حملاته الأخيرة الصين، التي يصنّفها مراقبون على أنها «التهديد الوجودي والاستراتيجي للنفوذ الأميركي عالمياً». وعليه، يمسي دخول الصين، وربما روسيا، على خط المواجهة إلى جانب إيران أمراً لا مفر منه، باعتبار أن أي معركة تدور على الأراضي الإيرانية، هي في جوهرها، معركة استباقية ضدّ بكين وموسكو، تجعل الدفاع عن «الجمهورية الإسلامية»، بمثابة دفاع عن الذات، لا مجرد «عمل تضامني». ذلك أن أي سيطرة أميركية مباشرة أو غير مباشرة على الجغرافيا الإيرانية، ستمثّل ترسيخاً للوجود الأميركي في «الخاصرة» الجنوبية لكلّ من الصين وروسيا. ونظراً إلى أن إيران تمثّل عقدة مركزية في مشروع «الحزام والطريق» الصيني، فيما يشكّل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة العالمية، فإن أي نفوذ أميركي في إيران يطرح مخاطر اقتصادية وجغرافية جمّة على البلدين.
وفي ما يتعلق بروسيا تحديداً، فإن المشروع الاستراتيجي الروسي–الإيراني المعروف بـ«شمال–جنوب»، يُعدّ أحد أهم الإنجازات الاقتصادية المشتركة بين البلدين؛ إذ يختصر زمن النقل من 30–45 يوماً إلى 10–20 يوماً، ويخفّض الكلفة بنسبة تصل إلى 40%، فضلًا عن كونه مشروعاً متعدّد الوسائط (بحري، بري، وسكك حديد)، بكلفة تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات. والأهم، أنه يحرّر الصادرات الروسية من العقوبات الخارجية، عبر تجاوز الممرات البحرية التقليدية الخاضعة للرقابة الغربية.
وفي حين يرجّح البعض أن التحسّن الأخير في العلاقات الروسية–الأميركية، قد يدفع بموسكو إلى النأي بنفسها عن دعم طهران، فإن صنّاع السياسة في روسيا يدركون جيداً أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على «الكيمياء الشخصية» بين القادة، بل على المصالح البعيدة المدى، وأن أي تراجع للصين على الساحة العالمية، قد يجعل الولايات المتحدة أكثر «تفرّغاً» لمواجهة روسيا.
بالنتيجة، وإذ يبدو المشهد مفتوحاً على مختلف السيناريوات، إلا أن الثابت فيه هو أن «حسم» الملف الإيراني لن يكون «سهلاً»، إذ إن أي ضربة أميركية، مباشرة كانت أم بالوكالة، ستقابل بردود محسوبة من الصين وروسيا، وذلك بناءً على تقديرات لديهما بأن كلفة خسارة إيران استراتيجياً، تفوق بكثير كلفة الدفاع عنها.

